الشيخ محمد علي طه الدرة
435
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
فَتابَ عَلَيْكُمْ : قبل توبتكم ، ووفّقكم للتوبة ، والاعتراف بالذّنب . وَعَفا عَنْكُمْ : أي : تجاوز عنكم ، ولم يعاقبكم بذنوبكم . فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ : كناية عن الجماع ، كما تقدّم ، وسمّي الوقاع مباشرة لتلاصق البشرتين فيه ، وأطلقت على الجماع للزومها فيه . وهذا الأمر ، والثلاثة بعده للإباحة . وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ : اطلبوا ما قدّره اللّه لكم من الولد ، وما يتبع ذلك من قصد التحصين ، والعفة بالنسبة للرّجل ، والزوجة ، وبهذا القصد يؤجر الرجل على هذا العمل ، ويؤيّده قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الذي أخرجه مسلم - رحمه اللّه تعالى - عن أبي ذرّ - رضي اللّه عنه - : « وفي بضع أحدكم صدقة » قالوا : يا رسول اللّه ! أيأتي أحدنا شهوته ، ويكون له فيها أجر ؟ قال : « أرأيتم لو وضعها في حرام ؛ أكان عليه وزر ؟ » قالوا : نعم ، قال : « فكذلك إذا وضعها في حلال ؛ كان له أجر » . أقول : ولكنّ الأجر متوقف على القصد ؛ الّذي ذكرته . وَكُلُوا وَاشْرَبُوا : قال ابن هشام - رحمه اللّه تعالى - في المغني : إذا تعلّق الإعلام بمجرد إيقاع الفاعل للفعل ، فيقتصر عليه ، ولا يذكر المفعول ، ولا ينوى ؛ إذ المنويّ كالثابت ، ولا يسمّى محذوفا ؛ لأن الفعل ينزل لهذا القصد منزلة ما لا مفعول له ، ومنه قوله تعالى في سورة ( البقرة ) رقم [ 258 ] : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، وقوله تعالى في سورة ( الزمر ) رقم [ 9 ] : هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ، وقوله تعالى في سورة ( الأعراف ) رقم [ 31 ] : وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا وأيضا ما في هذه الآية ، وقوله تعالى في سورة ( الإنسان ) رقم [ 20 ] : وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ ، إذ المعنى : ربي الذي يفعل الإحياء ، والإماتة ، وهل يستوي من يتصف بالعلم ، ومن ينتفي عنه العلم ؟ وأوقعوا الأكل والشرب ، وذروا الإسراف ، وإذا حصلت منك رؤية هنالك . ومنه على الأصح قوله تعالى في سورة ( القصص ) رقم [ 23 ] : وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ . . . إلخ ألا ترى : أنّ موسى - على نبينا وعليه ألف صلاة وألف سلام - إنما رحمهما ؛ إذ كانتا على صفة الذياد ، وقومهما على السّقي ، لا لكون المسقي غنما ومسقيهم إبلا ، وكذلك المقصود من قولهما : ( نَسْقِي ) السّقي ، لا المسقي ، ومن لم يتأمل قدّر : يسقون إبلهم ، وتذودان عنهما ، ولا نسقي غنما . انتهى . حَتَّى يَتَبَيَّنَ يقال : تبين الشيء ، وبان ، وأبان ، واستبان ، كلّه بمعنى واحد ، وهو لازم ، وقد يستعمل بعضها متعديا . الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ . . . إلخ : شبه سبحانه وتعالى أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق ، وما يمتدّ معه من غبش الليل بخيطين : أبيض وأسود ، واكتفى سبحانه ببيان الخيط الأبيض بقوله : مِنَ الْفَجْرِ عن بيان الخيط الأسود لدلالته عليه ، وبذلك خرجا عن الاستعارة إلى التمثيل . بيضاوي . وينبغي أن تعلم : أن الفجر الذي يحرم بطلوعه الطّعام ، ويحلّ به الصّلاة هو الفجر المعترض في الأفق يمنة ويسرة . روى مسلم - رحمه اللّه تعالى - عن سمرة بن جندب - رضي اللّه عنه - قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا يغرّنّكم من سحوركم أذان بلال ، ولا بياض الأفق المستطيل هكذا ؛ حتّى يستطير هكذا » . وحكاه حماد بيديه ، قال : يعني : معترضا . وروى الدارقطني عن عبد الرحمن بن عباس : أنه بلغه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : « هما فجران : فأمّا الّذي